محمد بن جرير الطبري

331

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

اليه حملته إليك أولا فأولا ، وصبرت للقتل فيك ، إيثارا للوفاء وطلبا لجميل الثناء ، وان استغنيت عنه حبسته عليك حتى ترى فيه رأيك فعجب على منه ، وقال : لو اصطنعت مثلك الف رجل ما طمع في السلطان ولا الشيطان ابدا . ثم سأله عن قيمه ما عنده ، فذكر له انه أودعه مالا وثيابا ومسكا ، وانه لا يدرى ما قدر ذلك ، غير أنه أودعه بخطه ، وانه محفوظ لم يشذ منه شيء ، فقال له : دعه ، فان ظهر عليه سلمته ونجوت بنفسك ، وان سلمت به رايت فيه رأيي . وجزاه الخير ، وشكر له فعله ذلك أحسن شكر ، وكافأه عليه وبره وكان يضرب به المثل بوفائه ، فذكر انه لم يتستر عن هرثمة من مال على الا ما كان أودعه هذا الرجل - وكان يقال له : العلاء بن ماهان - فاستنظف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حلى نسائهم ، فكان الرجل يدخل إلى المنزل فيأخذ جميع ما فيه ، حتى إذا لم يبق فيه الا صوف أو خشب أو ما لا قيمه له قال للمرأة : هاتي ما عليك من الحلى ، فتقول للرجل إذا دنا منها لينزع ما عليها : يا هذا ، ان كنت محسنا فاصرف بصرك عنى ، فوالله لا تركت شيئا من بغيتك على الا دفعته إليك ، فإن كان الرجل يتحوب من الدنو إليها أجابها إلى ذلك حتى ربما نبذت اليه بالخاتم والخلخال وما قيمته عشره دراهم ، ومن كان بخلاف هذه الصفة ، قال : لا ارضى حتى افتشك ، لا تكونين قد خبأت ذهبا أو درا أو ياقوتا ، فيضرب يده إلى مغابنها وارفاغها ، فيطلب فيها ما يظن أنها قد سترته عنه ، حتى إذا ظن أنه قد احكم هذا كله وجهه على بعير بلا وطاء تحته ، وفي عنقه سلسله ، وفي رجله قيود ثقال ما يقدر معها على نهوض واعتماد . فذكر عمن شهد امر هرثمة وامره ، ان هرثمة لما فرغ من مطالبه علي بن عيسى وولده وكتابه وعماله بأموال أمير المؤمنين ، أقامهم لمظالم الناس ، فكان إذا برد للرجل عليه أو على أحد من أصحابه حق ، قال : اخرج للرجل من حقه ، والا بسطت عليك ، فيقول على : اصلح الله الأمير !